هشام جعيط

248

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

قرب جبانة بشر التي كانت لخثعم « 1 » . هناك قضية تطرح فعلا بخصوص خثعم ، لو رمنا أخذ خريطة سيف مأخذ الجد . كانت خثعم قبيلة يمنية مرموقة ولم تذكر على هذه الخارطة ، لكنها شاركت في حرب القادسية ، ويحتمل أن عدد أفرادها كان قليلا ، إذ لم يذكر أي رقم بشأنهم . وقد قاموا بدور كبير في أثناء انتفاضة حجر بن عدي « 2 » ، وقدموا الدعم للمختار ووقفوا ضده . كانت لهم جبانة شهيرة معروفة بجبانة بشر وهو اسم لأحد أبطال القادسية « 3 » ، وقد تأكد أن الجبانة كانت أحد الأماكن الكبرى لتجمع اليمنية ، مثل جبانة كندة ومراد . كانت بجيلة تلحق بهم فيها « 4 » ، بصفتهم من أقدم الإخوان لهم ، منذ عصر الجاهلية « 5 » . فهل أفسحوا لهم مكانا في خطتهم الكبيرة التي زادت اتساعا بعد رحيل أحمس ؟ لا يبدو أن الأمر كما ذكر ، لأن قول أبي مخنف « ساروا إليهم » « 6 » ، يفرض مسبقا وصراحة تمييزا في السكن ، كما أن السياق يوحي بالجوار واستمرار علائق القربى السابقة . وعلى هذا ، ينبغي تحديد مقام خثعم بمكان تغلب ، والأمر الأرجح كثيرا أن يكون ذلك في خطة جديدة كبيرة حددت أثر التخطيط الأول دائما في الركن الشمالي الغربي ، وربما في خطة طيء كما أوحى اليعقوبي بذلك ؟ وبصورة عامة ، إذا قطعنا بخط وهمي الكوفة قطعتين ، أي الكوفة شمالا والكوفة جنوبا ، يظهر القسم الشمالي أكثر كثافة سكانية ، وأشد هيكلة ، بقطائعه المتراصة وشوارعه الضيقة . وهذا ما يتجلى من شهادة أحد رؤساء قيس ، نعني شمر بن ذي الجوشن الذي أقام شرقا ودعي لنجدة اليمنية في جبّانة السبيع . فرفض نجدتهم معللا رفضه بأنه يتعذر عليه القتال في السكك الضيقة « 7 » . وكأن الأمر قد تعلق في هذا الباب بخاصية تميزت بها منطقة الكوفة الشمالية - ونحن ندرك ذلك من قوله علما بأنه كانت هناك من البداية ، خمس طرق كبرى ارتبطت بخمس خطط ، تقابلها أربع طرق في الجنوب وثلاث في الشرق والغرب فقط « 8 » . لا شك أن هذه المساحة المسماة بظهر الكوفة في جهتها الغربية ، كانت لها جاذبية ارتبطت ببعض

--> ( 1 ) كتاب البلدان ، ص 310 . ( 2 ) الطبري ، ج 5 ، ص 261 . ( 3 ) بشر بن ربيعة : فتوح البلدان ، ص 281 ؛ والجمهرة ، ص 391 . ( 4 ) الطبري ، ج 6 ، ص 45 . ( 5 ) كتاب الاشتقاق ، ص 515 . ينحدر كلاهما من الأنمار وهي مجموعة قريبة من نزار ، لكنها كانت تقع بموقع ربيعة : ومضر بالذات ثم اعتبروا من اليمنية . راجع كذلك البكري ، معجم ما استعجم ، ج 1 ، ص 298 ؛ ابن الكلبي ، ورقة 53 . ( 6 ) الطبري ، ج 6 ، ص 45 . ( 7 ) الطبري ، ج 6 ، ص 46 ؛ أنساب الأشراف ، ج 5 ، ص 232 . ( 8 ) الطبري ، ج 4 ، ص 45 .